أي خيارات اقتصادية في التسعينات لأي نتائج اليوم؟

Ads Here

إضغط على الصورة لمتابعة آخر أخبار سعر الصرف والأخبار الإقتصادية في لبنان والعالم مباشرةً

كتبت د. سهام رزق الله في ” الجمهورية”:

كثرت في الآونة الأخيرة التجاذبات حول الفترة التي يفترض الرجوع اليها لدرس عناصر الخلل في الخيارات الإقتصادية التي انفجرت عام 2019، بعد أن تفاقم تدهور المؤشرات في الاقتصاد الكلي والخارجي والمالي والنقدي منذ العام 2011، فيما كثيرون يبحثون عن بدايات الخيارات التي اتُخذت مطلع التسعينات… كان يُنظر إلى تشرين الأول 1992 على أنّه نقطة تحوّل رئيسية في مسار التضخم في لبنان. خلال ذلك الشهر، تمّ تشكيل الحكومة برئاسة رئيس الوزراء السابق الراحل رفيق الحريري، والتي تزامنت مع تحوّل جذري في الرأي العام اللبناني بشأن مستقبل الوضع النقدي والاقتصادي العام. كيف بدأت عوامل التغيير الكبرى؟ ما أبرز مسارات الدين العام ومعدلات الفوائد منذ بداية التسعينات؟ وكيف يمكن قراءتها على ضوء ما وصلت اليه الأوضاع اليوم؟

 

منذ عام 1993، بذل مصرف لبنان جهوداً متزايدة لتحقيق هدف ضمان استقرار سعر صرف الليرة اللبنانية والأسعار المحلية. حافظ مصرف لبنان على استقرار سعر صرف تدريجاً الى حين اعتماد سياسة ربط الليرة اللبنانية بالدولار الأميركي منذ العام 1997.

استخدم مصرف لبنان أدوات مختلفة للدفاع عن الاستقرار النقدي:

 

– لجأ مصرف لبنان في شكل أساسي إلى التدخّل المباشر في سوق الصرف الأجنبي لشراء العملة الوطنية وبيعها، ما خلق الحاجة إلى تجديد احتياطياته بالعملة الأجنبية.

 

–  في 20 أيلول 2001، اتخذ مصرف لبنان 3 قرارات بتعديل النصوص المتعلقة بمتطلبات الاحتياطي بالليرة اللبنانية وصافي السيولة المتوافرة بالعملة الأجنبية في المصارف. وقد ركّزت هذه الإجراءات أولاً على زيادة معدل متطلبات الاحتياطي الالزامي للمصارف التجارية في مصرف لبنان، وارتفع هذا المعدل من 13% من إجمالي الودائع إلى 15% للودائع لأجل، و25% للودائع تحت الطلب. أما الإجراء الثاني فكان إلزام المصارف بإيداع 15% من ودائع عملائها بالعملات الأجنبية في شكل دائم لدى مصرف لبنان وسنداتها الأخرى المقومة بهذه العملات. أما الإجراء الثالث، فيتمثل في تعزيز دور المصرف المركزي كملاذ أخير للإقراض بالعملة الأجنبية، لضمان السيولة في المصارف العاملة في لبنان.

بين عامي 1993 و 1999، نما الدين العام الداخلي بنسبة 62%. وارتفعت حصة الدين العام الخارجي من إجمالي الدين العام من 8% في عام 1993 إلى 26% في عام 2000. وبما أنّ أسعار الفائدة على العملات الأجنبية أقل من أسعار الفائدة على الليرة اللبنانية، فإنّ إعادة هيكلة الدين العام في اتجاه الزيادة مكّنت حصّة الدين الخارجي من تقليص خدمة الدين بمقدار كبير ومن تسديدها، على أمل حدوث تطور إيجابي للوضع الاقتصادي.

 

أما في ما يتعلق بمصادر تمويل الدين الخارجي، فإنّ البيانات الواردة في الجدول أدناه توضح أنّ مساهمة المصارف تضاعفت عملياً في الحجم، إذ بلغت قرابة 4205 مليار ليرة لبنانية (2,789 مليون دولار) في نهاية كانون الأول 1999، و9799 مليار ليرة لبنانية (6500 مليون دولار) بنهاية أيلول 2002، تمثل على التوالي 50.4% و 52.7% من إجمالي الدين الخارجي.

أدّت سياسة أسعار الفائدة المرتفعة على سندات الخزينة إلى استنزاف معظم السيولة في تمويل القطاع العام على حساب تمويل القطاع الخاص. وبالفعل، فإنّ الاحتياجات التمويلية المتزايدة، جنبًا إلى جنب مع السياسة النقدية التقييدية لمصرف لبنان، تحرم القطاع الخاص من الاستفادة من السيولة الكافية لاستثماراته، مما يؤثر على النمو الاقتصادي والتوظيف في البلاد، لا سيما أنّ الاقتصاد اللبناني يُعتبر اقتصاد استدانة، حيث الاستثمار يرتكز على القروض المصرفية أكثر مما يلجأ الى السوق المالية وتداول الأسهم..ما يزيد من تأثير معدلات الفوائد على التسليفات وبالتالي مجمل النشاط الاقتصادي..

من اللافت للنظر، أنّ معدل الاقتراض على الليرة اللبنانية قد انخفض، لكن الفجوة بين الليرة اللبنانية والدولار الأميركي بقيت كبيرة كما كانت دائمًا، مما لم يشجع على الرافعة المالية في الليرة اللبنانية.

وقد بقي معدل الإقراض على الدولار الأميركي مرتفعاً جدًا مقارنة بالمعدلات الدولية بسبب الوضع السياسي (علاوة مخاطر البلد)، الذي دفع المصارف إلى تطبيق معدلات إقراض عالية، للاحتفاظ بالمدخرات اللبنانية وجذب رؤوس أموال غير المقيمين، وكذلك بسبب نظام الحدّ الأدنى من الاحتياطيات على الودائع بالليرة اللبنانية ومستوى السيولة المتعلق بالودائع بالدولار الأميركي، الذي فرضه مصرف لبنان، ثم الحدّ الأدنى للاحتياطيات التي أُدخلت على الودائع بالدولار الأميركي … ما دفع المصرفيين إلى زيادة معدلات الإقراض المطبّقة على عملائهم من أجل الحفاظ على هامش ربحهم.

تسببت زيادة الاكتتابات في سندات الخزينة، المصدر الرئيسي لتمويل القطاع العام، في حدوث فائض في حساب القطاع العام لدى مصرف لبنان (التسهيلات المقدّمة للحكومة والقطاع العام ناقص الودائع من الخزينة والصندوق الوطني للضمان الاجتماعي من دون مراعاة فروق الصرف). تحول هذا الحساب من وضع المدين البالغ 520 مليار ليرة لبنانية في نهاية أيلول 1992، إلى وضع دائن يبلغ نحو 1400 مليار ليرة لبنانية في نهاية عام 1993. وهذا التغيير في الوضع بالتحديد هو الذي دفع وزارة المال إلى خفض مردود سندات الخزينة لأجل سنتين من 39.20% في نهاية آب 1992 إلى 24% في نهاية 1993.

وقد اصبح معدل الفائدة على سندات الخزينة هو المعدل الرئيسي الذي يؤثر على الهيكلية الكاملة لأسعار الفائدة، فإنّ انخفاض سعر الفائدة على سندات الخزينة أدّى إلى انخفاض معدل الاقتراض أيضًا.

كما واجهت المصارف مشكلة تتعلق بسيولتها بالعملات الأجنبية. فقد طلب مصرف لبنان من المصارف استخدام 55% من جميع ودائعه بالعملة الأجنبية. وكان عليها أيضًا الاحتفاظ بكمية معقولة من السيولة لتلبية أي طلب في السوق وتجنّب أي مشكلة سيولة كلما كانت هناك تحويلات سريعة وكبيرة من عملة إلى أخرى ، لا سيما بين الليرة اللبنانية والدولار الأميركي. ولهذا السبب، بدأ مصرف لبنان، اعتباراً من تشرين الأول 1992، عملية مقايضة مع المصارف التجارية، تتمثل في تزويدها الدولار الأميركي مقابل الليرة اللبنانية بأسعار تضمن مخاطر الصرف.

يبقى القول، إنّ هذه القراءة المركّزة على بداية الدين ومعدلات الفوائد، تظهر بداية إلقاء ثقل المالية العامة على الجهاز المصرفي، والسياسة النقدية المطبّقة منذ نهاية عام 1992 – بداية عام 1993، والتي نجحت في تثبيت سعر الصرف، إلّا أنّ فعاليتها تتطلب درس الكلفة والمزايا التي تُظهر أنّ هذا الاستقرار قد تحقق بتكاليف عالية… ومن أبرز هذه التكاليف كان إلى حدّ ما على النمو الاقتصادي، من دون أن يجعل من الممكن الانتقال من «التثبيت»، من خلال التدخّل المستمر لمصرف لبنان المركزي في سوق القطع،إلى «ثبات» يعكس ثقة وواقع السوق، والذي كان يفترض أن يحقق انخفاضاً تدريجياً بمعدّل الدولرة، وعدم استنزاف كل احتياطيات المصرف المركزي بالعملات الأجنبية، دفاعاً عن سعر صرف جامد، أياً تكن التغيّرات الماكرو- إقتصادية، ووضع ميزان المدفوعات، وسلفات بالدولار للكهرباء التي لم تتأمّن، والسلفات التي لم تُردّ الى المصرف المركزي، وتغطية إستيراد هائل تبيّن أنّه «مدعوم»، نظراً لعدم ترجمة سعر الصرف لواقع الاقتصاد الذي شهدت مؤشراته تدهوراً هائلاً منذ العام 2011، قارعاً ناقوس خطر لم يتمّ الإصغاء له ولا التفاعل معه…

قم بكتابة اول تعليق

Leave a Reply

لن يتم نشر بريدك الالكتروني في اللعن


*