أموال المودعين.. نقطة سوداء في النظام المصرفي اللبناني

Ads Here

تلقى الأخبار عبر الواتساب

كتبت د. مريم شيحا في” اللواء”:

لم يكن مشروع قانون «كابيتال كونترول» المفخّخ، الذي نوقش قبل أيام في اللجان النيابية المشتركة، أول صفقة مشبوهة تكشف تواطؤ المنظومة المتحكّمة، بوجهيها السياسي والمالي، على أموال المودعين، بهدف منح صكّ براءة لثلاثي، السياسيين وأصحاب البنوك وحاكم المصرف المركزي، عن كل جرائم تهريب الأموال منذ 2019، وعن احتجاز أموال مودعين لبنانيين وعرباً وأجانب من دون وجه حق. لكن وبالرغم مما حصل، سعي هؤلاء لإنجاز صفقتهم المشبوهة مستمر، بدل العمل على استعادة الثقة بلبنان ونظامه الاقتصادي وقطاعاته المالية والمصرفية. المؤسف والمستهجن في آن، أن كل ما يجري يحصل على سمع وبصر صندوق النقد الدولي!!
عن لحظة الانفجار
منذ انطلاقة انتفاضة 17 تشرين الأول 2019، حرصت مجموعات من المتظاهرين على إطلاق شعارات استهدفت السلطة المالية والنقدية تحت شعار «يسقط حكم المصرف». هذا المشهد أصاب في الصميم أحد مرتكزات الدولة العميقة المتمثلة بالقطاع المصرفي وركيزته الناظمة، أي مصرف لبنان. الكيان الذي أنشأ بموجب قانون النقد والتسليف الصادر في 1 آب عام 1963، وبدأ العمل به فعلياً في 1 نيسان 1964.
والمصرف المركزي كيان قانوني عام، يتمتع بالاستقلالية المالية والإدارية، ولا يخضع للقواعد الإدارية والتنظيمية والضوابط المطبقة على القطاع العام، ويتمتع أيضاً بصلاحيات كاملة لضمان استقرار سعر صرف العملة الوطنية، ويعتبر مسؤولاً عن تأمين النقد والسيولة المصرفية من خلال الضمانات والتسهيلات الائتمانية للبنوك والمؤسسات المالية. فوق ذلك، يمنح مصرف لبنان التراخيص لإنشاء البنوك والمؤسسات المالية وشركات الوساطة، وتجار المال، والمصارف الأجنبية، وشركات التأجير، وصناديق الاستثمار في لبنان، وينسّق مع الحكومة من أجل اتخاذ التدابير السياسية والمالية والنقدية، ويُبلِّغها بشأن مسائل النقد والعملة، ويقترح التدابير التي قد تعود بالنفع على ميزان المدفوعات، ومستوى الأسعار ومكافحة التضخم والخلل في المالية العامة، كما يقدّم نصائح حول كيفية تعزيز النمو الاقتصادي والتوازن المالي، ويضمن العلاقات بين الحكومة والمؤسسات المالية الدولية.
لاعتبارات عديدة ومتقاطعة، ساهمت السياسات التي اتبعها المصرف المركزي إلى حدٍ كبير في خدمة مصالح الاوليغارشية الحاكمة منذ الاستقلال، والتي ازدادت جشعاً وفساداً وتسلّطاً بعد انتهاء الحرب الأهلية، إذ أنتجت زبائنية قلّما شهد العالم مثيلاً لها، فتسلّطت ونهبت بشكل غير قانوني مقدرات الدولة ومؤسساتها ومواردها وأملاكها الأميرية ومشاعاتها، وبدلاً من أن يكونوا محفزين للنهوض الاقتصادي لينتج عنه نمو وتأمين لفرص العمل، الأمر الذي يجعل من المصارف قطاعاً يمارس دوره الحقيقي في تحفيز دورة الاقتصاد الوطني بدلاً من اعتماده على الربحية الناجمة عن فوائد سندات الخزينة المرتفعة التي كانت سبباً في زيادة معدلات التضخم وتراجع تمويل المشاريع الاستثمارية من قبل المودعين المحليين والعرب والأجانب.
ويُعد القطاع المصرفي اللبناني من أكبر القطاعات المصرفية العربية والعالمية نسبة إلى حجم الاقتصاد الوطني، ومنذ تأسيس وهيكلة هذا القطاع جرى وضع مرتكزين أساسيين له، وتأمين حصانة تجاه محاولات السلطة السياسية التحكم بسياساته، وهما: أولاً: قانون السرية المصرفية عام 1956، الذي قال فيه ريمون إدّه «أن طموحه تحويل لبنان إلى بنك للعالم العربي، تماماً مثلما أن سويسرا هي بيت المال في أوروبا». ولقد ساهم القانون في اجتذاب رساميلها الكبيرة من دول الخليج العربي خاصة. وثانياً: إنشاء جمعية المصارف، وهي أول جمعية من نوعها في العالم العربي، عام 1959 على يد بيار إدّه، بهدف الدفاع عن مصالح القطاع، أي العمل كجماعة ضغط (لوبي) خاصة.
عوامل نمو القطاع المصرفي
تعمل المصارف في لبنان تحت اشراف ورقابة المصرف المركزي الذي يشكّل السلطة النقدية الناظمة لعملها، وتتولّى مراقبة نشاط هذه المصارف هيئة رقابية تتمثل في «لجنة الرقابة على المصارف» التي أُنشأت عام 1967، بحيث تتأكد من حسن تطبيق القوانين والأنظمة المرعية، ويضم القطاع المصرفي 69 مصرفاً، موزعاً على مصارف تجارية خاصة، كبيرة ومتوسطة وصغيرة الحجم، وأخرى مصارف استثمارية وائتمانية على الأمدين المتوسط والطويل، بالإضافة إلى المصارف الإسلاميّة والمصارف اللبنانية الأجنبية والمختلطة.
ويبلغ العدد الإجمالي لفروع المصارف العاملة في لبنان حوالي 1005 فرع داخلي، منها 984 فرعاً للمصارف التجارية، 21 فرعاً لمصارف الأعمال والتسليف المتوسط والطويل الأجل. إن توسع المصارف اللبنانية في منطقة الخليج والدول العربية، وأوروبا وغيرها من البلاد من خلال الفروع والشركات التابعة والفرعية ومكاتب التمثيل في الخارج، بالإضافة إلى وجود مصارف عربية وأجنبية في لبنان، هو انفتاح ملحوظ على الخارج وساهم في تطوير نمو القطاع المصرفي، والذي شهد أيضاً خلال السنوات الماضية عدة عمليات اندماج وتملّك وإعلان إفلاس لبعض آخر.
تاريخ من الأزمات
مرّ لبنان بأزمات كبرى، لها طابع أمني وعسكري ومالي واقتصادي، استطاع المصرف المركزي استيعابها وتخطّيها، وكان مثالاً للصمود في وجه التحديات، من أهم هذه الأزمات ماضياً كانت أزمة بنك «إنترا» في 16 تشرين الأول 1966، والتي كانت نقطة تحوّل في تاريخ سلطة المصرفيين اللبنانيين، كونها هزّت أركان النظام الاقتصادي الحر، وغيرها من الأزمات التي توالت بعدها وصولاً إلى الأزمة الحالية التي لم يستطع أن يصمد في وجهها القطاع المصرفي وانتهت به الحال إلى الانهيار الشامل، ما وضع هذا القطاع في إطار التواطؤ والتآمر مع الطبقة السياسية التي قرصنت رؤوس الأموال والموارد الوطنية، مصحوباً بفشل ذريع من قبل سلطات المصرف المركزي المؤتمنة عليها عبر عدم مواجهتها السياسات المالية والإنفاق غير المتوازن في المالية العامة للدولة، وغض النظر عن تداعيات الارتفاع الخطير في المديونية العامة من أجل تمويل مشاريع زبائنية دون جدوى تنموية، ولا تصب في مصلحة الوطن والمواطنين.
ما مصير الودائع؟
ينتظر المودعون اللبنانيون والأجانب مصير ودائعهم في المصارف التي تتجاوز 150 مليار دولار، إذ منذ نهاية العام 2019، منعت المصارف تحويل الأموال إلى الخارج بالعملات الأجنبية، ووضعت سقوفاً للسحوبات بالدولار من ودائعهم، كما جمدت الودائع الدولارية لعملائها. وظهر تداول الشيكات المصرفية خلال أزمة المصارف وحددت بنسبة 40% من قيمة الشيك المصرفي، ثم انخفضت تدريجياً حتى وصلت إلى 17% من قيمته.
وبالرغم من تعميمي مصرف لبنان 151 و158، اللذين أجازا للمصارف ايفاء المودعين لجزء من أموالهم بالعملة الصعبة والوطنية بطريقة مستقطعة ومقسطة على مراحل، ومع أن هذا الإجراء ساهم في حصول صغار المودعين الذين يملكون 50 ألف دولار أميركي كحد أقصى على مستحقاتهم، فإن القرصنة الكبرى لأموال المودعين كانت تتم عبر قوانين في مجلس النواب من خلال إصدار سندات خزينة لتمويل إنفاق الدولة من خارج المعايير المالية والنقدية المتعارف عليها دوليا، وهنا السؤال المركزي حول عدم تحمّل السلطة السياسية مسؤولياتها في التعمية على تأمين الودائع المنهوبة من قبل الطبقة السياسية الفاسدة، وكإجراء عملي واقعي لماذا لا يصدر قانون يفتح باب اكتتاب الأسهم بالأفضلية لمن يرغب من المودعين اللبنانيين وغير اللبنانيين بقيمة ودائعهم أو بجزء منها أو يزيد، كمساهمين في مؤسسات استثمارية ذات العائد المضمون كالكهرباء والمياه والنفط والغاز والمرفأ والمطار والأوتوسترادات المدفوعة والطاقة البديلة، ويكون لهم ممثلين في مجالس إدارتها، للتصدي للمنطق الاحتكاري لمنظومة الفساد الحاكمة؟

قم بكتابة اول تعليق

Leave a Reply

لن يتم نشر بريدك الالكتروني في اللعن


*