مسار وتركيبة الدين العام في لبنان: دروس من الماضي.. لخيارات المستقبل

المصدر : الجمهورية

Ads Here

إضغط على الصورة لمتابعة آخر أخبار سعر الصرف والأخبار الإقتصادية في لبنان والعالم مباشرةً

كتبت د. سهام رزق الله في “الجمهورية”:

منذ حصول لبنان على استقلاله عام 1943، إقتصر دور الدولة اللبنانية بشكل أساس على ضمان الأمن الداخلي والخارجي، والعدالة، وتنفيذ مشاريع الأشغال العامة، والتنمية، بما يعكس محدودية دور الدولة وحيادها في النشاط الاقتصادي والاجتماعي. وقد انعكست هذه الروحية في المالية العامة على مبدأ «دولة محايدة ومالية عامة محايدة»، وتترجمت فوائض في المالية العامة، الى أن بدأ يتزايد دور القطاع العام في الإقتصاد في الستينات، ثم اندلعت حرب لبنان 1975-1990 وتلتها فترة إعادة الإعمار.. بماذا اتسمت خيارات المالية العامة في لبنان ما قبل مرحلة اعادة الاعمار في التسعينات؟ أي دروس يمكن استخلاصها من الماضي؟ لأي خيارات في المستقبل؟

في الواقع، لقد اعتُبر عام 1962 عام التحول من حيث المالية العامة في لبنان: فالموازنة العامة، التي كانت تقليدياً تسجّل فوائض، أصبحت تعاني من عجز للمرة الاولى، وبلغ معدل العجز 13.2% من النفقات. منذ عام 1962 حتى عام 1975، عندما بدأت الحرب في لبنان، كانت جميع الميزانيات تعاني من عجز، باستثناء موازنات الأعوام 1971 و 1972 و 1974 عشية اندلاع حرب 1975.

 

منذ عام 1975 وحتى اليوم، أصبحت الموازنات اللبنانية المتتالية تعاني من عجز مالي، ليس بسبب الدور المتنامي للقطاع العام في التنمية الاقتصادية، بل بسبب الحرب ثم بسبب فقدان السيطرة على الإنفاق والإيرادات وغياب الإصلاحات الاقتصادية في فترة ما بعد الحرب.

 

مع تفاقم الحرب عام 1978، أصبح من الصعب الحصول على أرقام دقيقة وموثوقة تتعلق بالوضع الاقتصادي العام. وقد توقفت الدولة اللبنانية عن نشر إحصاءات الحسابات القومية، بسبب الأحداث وتوقف عمل العديد من الهيئات والدوائر العامة.

 

ولوحظ أنّ الإنفاق العام تميز خلال سنوات الحرب بالفوضى وانعدام السيطرة المركزية. خلال تلك الفترة، لم تكن الدولة تعرف بشكل دقيق لا مقدار نفقاتها ولا ناتج إيصالاتها، ولهذا توقفت عن إغلاق حسابات الموازنة من 1979 إلى 1993.

 

رغم تراجع وضياع السيطرة على الإيرادات وصعوبة تحصيل الضرائب، لم تبذل الدولة جهوداً كبيرة للحدّ من الإنفاق، إلّا خلال بعض سنوات الحرب الأخيرة، بفضل تشدّد مصرف لبنان حينها في تمويل الخزينة. وقد أدى التطور غير المتكافئ والمتناقض بين الإيرادات والنفقات إلى إطلاق عملية تزايد الاختلال في المالية العامة.

بين عامي 1982 و 1985، زادت النفقات بنسبة 178%، فيما زادت الإيرادات بنسبة 65% فقط. وبين عامي 1986 و 1988، ارتفعت النفقات بنسبة 702%، كما ارتفعت الإيرادات بنسبة 250%. وبين عامي 1988 و 1990، أي خلال العامين الأخيرين من الحرب، كانت الزيادة في الإنفاق تعادل تقريباً ثلث الزيادة في الإيرادات، من دون تقليص عجز الموازنة.

 

وتشير تقديرات وزارة المالية إلى استمرار عجز الموازنة خلال المرحلة الجديدة من الحرب، حيث بلغ نحو 28.5% من الإنفاق عام 1977، و 27.8% من الإنفاق عام 1978، و 38% من الإنفاق عام 1981.

 

تشير تقارير صندوق النقد الدولي إلى أنّ النمو الذي شهده لبنان بين 1979 و 1980، هو بسبب دخول تدفقات رأس المال أو «المال السياسي» إلى لبنان من خلال دعم دول أجنبية. وقد بدأ النمو يتراجع منذ النصف الثاني من عام 1981 مع تدهور الوضع الأمني. منذ تلك الفترة، فقدت الدولة السيطرة الكاملة على إيراداتها ونفقاتها، واستند تحليل حالة المالية العامة الى التقديرات والأرقام غير الرسمية.

 

توقف نشر حسابات الموازنة على النحو الذي أقرّه الدستور وقانون الحسابات العامة استمر من العام 1979 حتى 1993. إذ اضطرت الدولة إلى اللجوء إلى الديون الخارجية والداخلية لتمويل تطوير المشاريع التي توقف تنفيذها، وبلغ الإنفاق الاستثماري 24% من إجمالي الإنفاق عام 1981، وخصّصت الدولة 22.2% من موازنة 1982 للمشاريع الاستثمارية.

وهكذا، من أجل تمويل عجز الميزانية المتزايد في مناخ من التوترات وعدم الاستقرار السياسي والعسكري، أصبح العرض النقدي منذ عام 1982 يتجاوز بشكل واضح الاحتياجات الاقتصادية للبلاد. وبدأ العملاء الاقتصاديون في «الهروب» من الليرة اللبنانية نحو العملات الأجنبية، لا سيما منها الدولار الأميركي؛ مما عزز عملية التضخم وانخفاض قيمة العملة الوطنية مقابل العملات الأجنبية. ومن هنا دخل الاقتصاد اللبناني في حلقة مفرغة، حيث ضاعف التضخم عجز الموازنة، وتضاعفت طباعة النقد، وفُقدت الثقة بالعملة الوطنية، وتسارعت دولرة الإقتصاد اللبناني.

 

وبلغت نفقات الميزانية بين عامي 1982 و 1985 نحو 60 مليار ليرة لبنانية، بينما لم تتجاوز إيرادات الموازنة 13.8 مليار ليرة لبنانية. وبذلك، بلغ العجز التراكمي خلال تلك الفترة 77% من إجمالي نفقات الميزانية. في الوقت نفسه، تضاعف الدين العام الداخلي 4 مرات خلال الفترة نفسها، من 14 مليار ليرة لبنانية في نهاية عام 1982 إلى حوالى 54.5 ملياراً في عام 1985.

بعد عام 1985، وجد لبنان نفسه بلا ميزانية، ولم تعد الحكومة ترسل مشروع الموازنة إلى مجلس النواب على النحو المنصوص عليه في الدستور. في الوقت نفسه، واصلت الدولة الإنفاق على أساس الاعتمادات المنصوص عليها في الموازنة الأخيرة التي صادق عليها مجلس النواب، أي موازنة عام 1985. غير أنّ التضخم والانخفاض السريع في قيمة الليرة اللبنانية جعلا هذه الاعتمادات منصوصاً عليها في موازنة عام 1985، غير كافية لتغطية نفقات الدولة. ومنذ ذلك الحين، أقرّ البرلمان إمكانية التصويت على قوانين تسليفات إضافية لموازنة عام 1985، أو اللجوء إلى طلب سلفات خزينة.

بين عامي 1986 و 1988، مرّ لبنان في ظروف اقتصادية واجتماعية صعبة، وتراجعت قيمة العملة الوطنية أكثر، ووصل معدل التضخم إلى أرقام قياسية تخطّت عام 1987 معدل 487% ، وكان العام الأصعب على الاقتصاد اللبناني بأكمله، باستثناء القطاع الصناعي البحت الذي كان متقدّماً، ومع زيادة الصادرات بنسبة 47% لتصل إلى 70% من الإنتاج الصناعي. وأدّت الزيادة في الصادرات وانخفاض الواردات إلى تحسن وضع الميزان التجاري، حيث انخفض العجز التقليدي من 1.6 مليار دولار عام 1986 إلى 1.3 مليار دولار عام 1987. واستمرت الصادرات في الزيادة عام 1988 لتبلغ نسبة نمو 26%، مقارنة بعام 1987 و 42% مقارنة بعام 1986، على الرغم من تدهور الوضع الاقتصادي وخصوصاً الوضع النقدي. كان ميزان المدفوعات، الذي كان حتى ذلك الحين فائضاً، باستثناء عام 1976 الذي كان يعاني من العجز.

 

في الوقت نفسه، استمر عجز الموازنة في الزيادة، ولا يزال يتمّ تمويله من خلال زيادة طباعة النقد، وتضخيم الدين العام الداخلي (بالعملة الوطنية). وارتفع عجز الموازنة بشكل مطرد من 82.2% من الإنفاق عام 1986 إلى 86% من الإنفاق عام 1987 و 92.2% من الإنفاق عام 1988.

 

واضطرت الدولة، التي لم يكن لديها فعلياً ديون داخلية ومديونية خارجية منخفضة للغاية، إلى اللجوء إلى الاقتراض بكثافة، وفرضت على المصارف إلزامية الاكتتاب بسندات الخزينة على مواردها من الليرة اللبنانية. وبلغت سندات الخزينة لدى المصارف التجارية ما يعادل 2.9 مليار دولار عام 1982 مقابل 150 مليوناً عام 1977. وانخفض الدين العام الذي زاد من 54.45 مليار ليرة لبنانية عام 1985 إلى 521.5 مليار ليرة عام 1988، إلى ما يعادل 114 مليون دولار في عام 1987 بفعل تدهور الليرة اللبنانية.

وأدّت خاتمة فترة الحرب في عامي 1989 و 1990 إلى تفاقم وضع المالية العامة بشكل حاد. فأدّى انخفاض الإيرادات الضريبية إلى اعتماد الخزينة العامة، بالإضافة إلى الديون، على أرباح مصرف لبنان التي يتمّ تحويلها إليه بموجب قانون النقد والتسليف. وبلغت حصة أرباح مصرف لبنان في تمويل الخزينة حوالى 62% من إيرادات الموازنة في عام 1989 و 38.5% من إيرادات الموازنة في عام 1990.

 

استمرت خدمة الدين العام في السيطرة على الجزء الأكبر من الإنفاق الحكومي، حيث شكلت 30% من الإنفاق في عام 1989 و 26% من الإنفاق في عام 1990.

 

انتهت فترة الحرب في لبنان في تشرين الأول 1990. وفي عام 1991، شهد لبنان تدفقاً لرؤوس الأموال من الخارج، مما ساعد في تحسين وضع ميزان المدفوعات الذي حقق فائضاً قدره 1.07 مليار دولار، بعد عجوزات عامي 1989 و 1990.

 

وبعد غياب الموازنة لمدة 5 سنوات، اتسمت نهاية عام 1990 بإصدار الموازنة العامة. تحسن وضع المالية العامة نسبيًا، لكن استمرار العجز أدّى إلى نمو قوي في الدين العام الداخلي الذي زاد بنسبة 66% عام 1991 و 92% عام 1992. وتطور الدين العام الداخلي مقوّماً بالدولار من 3.7 مليارات دولار عام 1982 إلى 2.7 مليار عام 1992 (مع تدهور سعر صرف الليرة إزاء الدولار الأميركي)، وتراجع بذلك الدين العام الإجمالي (الذي يشمل الدين الداخلي بالليرة اللبنانية والدين الخارجي بالعملات الأجنبية) مقوماً بالدولار من 4 الى 3 مليارات دولار للفترة نفسها.

كما أصدر مجلس النواب قانون رقم 42 /1986، يمنع الحكومة من التصرف باحتياطي مصرف لبنان من الذهب الموجود لديه أو لحسابه، أياً كانت طبيعة وماهية هذا التصرف مباشرة أو غير مباشرة…

 

ويبقى القول، إنّه في نهاية العام 1992 كان مجموع الدين العام الثابت المتوجب على الخزينة اللبنانية يعادل نحو 3 مليارات دولار أميركي، منه 327.5 مليون دولار أميركي والباقي بالليرة اللبنانية.

 

وباحتساب كلفة خدمة هذا الدين العام على أساس معدلات الفائدة السنوية المعتمدة لدى مصرف لبنان على مدى السنوات 1992 -2011 والمدفوعة من الخزينة اللبنانية، فإنّ تلك المبالغ المتوجبة في نهاية العام 1992، وبعد إضافة الفائدة المتجمعة على مدى كل سنة بين عامي 1992 و 2011 بلغت 30 ألف مليار ليرة لبنانية. كذلك ارتفع الدين بالدولار الأميركي بفعل تراكم الفوائد على رصيد الدين العام، ليصبح أكثر من ملياري دولار أميركي للفترة نفسها، فيما كان قطاع الكهرباء يراكم سلفات بالدولار الأميركي وفوائد عليها تخطّت 18 مليار دولار حتى العام 2011 مما رفع الدين بالدولار لأكثر من 21 مليار دولار. واستمرت الكهرباء بتسجيل عجز مالي سنوي بحوالى 2 مليار دولار وتتراكم عليها الفوائد …

علماً أنّه بين عام 2002 وعام 2008، اكتسبت الديون بالعملات الأجنبية زخماً بارزاً، عكس نجاح لبنان في الاستفادة من أسواق رأس المال الدولية، لا سيما مع مؤتمرات الدعم الدولية للبنان. فيما بدأ الإتجاه بدءاً من العام 2016 الى خفض خدمة الدين العام، من خلال استبدال تدريجي لجزء من الدين بالليرة الى دين بالدولار، بالاعتماد على الهندسات المالية لوزارة المال والمصرف المركزي والمصارف اللبنانية، وهي المموّل الرئيسي للدولة اللبنانية.

 

والخلاصة، أنّ الدين العام في لبنان كان حتى مطلع التسعينات بمعظمه بالليرة اللبنانية، لكن تنامى الدين بالدولار بشكل أساسي مع تزايد سلفات الكهرباء وتراكم الفوائد عليها، وتشجّع جميع الأفرقاء المعنيين على زيادة حصة الدين بالدولار من خلال اليوروبوند، رغبة بتخفيض خدمة الدين العام، كون الفوائد على اليوروبوند أقل من فوائد سندات الخزينة بالليرة اللبنانية بسبب فرق مخاطر العملة، فضلاً عن هدف زيادة الاحتياطي بالعملات الأجنبية، دفاعاً عن خيار ربط الليرة بالدولار على أساس سعر صرف 1507.5، في ظل استمرار الدولرة بمعدلات مرتفعة وتدهور وضع ميزان المدفوعات تحديداً منذ العام 2011… الدروس للمستقبل تبدأ بمعالجة مكامن الخلل…

قم بكتابة اول تعليق

Leave a Reply

لن يتم نشر بريدك الالكتروني في اللعن


*